اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
292
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
عن سيرة حياة الإدريسى نفسه كانت قليلة ومتناثرة . ومنذ بداية السنوات الأربعينات للقرن الماضي أورد دى سلان De Slane ، وذلك بصدد تقريظه لترجمة جوبير للإدريسى ، أسماء المؤلفين الذين أغفلوا ذكر أي شئ عن الإدريسى رغما من أن الدلائل تشير إلى إمكان معرفتهم به 160 ؛ ويجب الاعتراف بأن مادتنا لم تنم منذ ذلك التاريخ ولو قليلا . وقد أراد بعض العلماء أن يبصر في ذلك الصمت أمرا مقصودا مرده إلى أن الإدريسى كان يعمل ببلاط ملك نصراني بل ورفع إليه مصنفا يمتدحه في افتتاحيته ؛ ولعل الدوائر السنية اعتبرته مارقا ، كما وأنه من الجائز أن يكون حجم الكتاب وخارطاته المعقدة قد جعل من مسألة استنساخه أمرا عسيرا مما كان سببا في إعاقة انتشار مخطوطاته . ومن بين المؤلفين الذين استعملوا مصنفات الإدريسى استعمالا مباشرا اثنان ، أحدهما وهو ابن سعيد المغربي الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثالث عشر أخذ عن الإدريسى كل معلوماته عن أوروبا تقريبا 161 ومقدارا لا يستهان به عن بلاد أخرى 162 ؛ أما الثاني وهو أبو الفدا الذي عاش في بداية القرن الرابع عشر فقد نقل عن الكتاب الثاني للإدريسى كما رأينا . وأبعد إلى جهة الشرق من هذين فإن معرفة الناس بالإدريسى لم تكن واسعة ، ولا يخلو من مغزى في هذا الصدد أن خبيرا كبيرا بالأدب الجغرافي مثل ياقوت الحموي لا يعلم عنه شيئا على الإطلاق 163 ؛ وربما كان السبب في هذا أيضا الموقف السلبي الذي وقفه ممثلو المدرسة الرياضية من منهج الإدريسى . . ومما يسترعى النظر بوجه خاص شهادة الطبيب المصري الأكفانى ( توفى عام 749 ه - 1348 ) في كتابه الفريد الذي يحلل فيه ستين علما من العلوم ويشير إلى أهم الكتب في كل فرع منها 164 . ففي القسم الخاص بالجغرافيا يقول 165 : « ولبطلميوس في أحوال المساكن والأقاليم كتاب يعرف بجغرافيا تام في معناه إلا أن أكثر مسمياته مجهولة عندنا لأنها أسماء أعلام نقلت بجلها من اللغة اليونانية . وكتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق فيه مخالفة لقسمة الأقاليم فإن - - مؤلفه وإن كان عارفا بالمسالك والممالك لجوبه الآفاق فإنه عرى من علم هيئة الأفلاك » . من هذا يتضح لنا أن محاولة الإدريسى للتقريب بين الجغرافيا الوصفية والفلكية قد عرفت في الشرق بوصفها محاولة فاشلة ، تماما كما عرفها العلم الحديث 166 . إن نشاط الإدريسى في الجغرافيا في قطر أوروبى يقع على الحد الفاصل بين حضارتين ألقى في روعه أن تأثيره سيمتد على أوروبا أكثر مما على العالم العربي . بيد أن شيئا من هذا لم يحدث فقد بقي أثره الجغرافي مجهولا إلى بداية القرن السابع عشر فيما يبدو . صحيح أن الكارتوغرافى ميلر K . Miller أراد أن يبصر تأثيرا لخارطاته على خارطة مارينو سانودو Marino Sanudo التي نشرها فسكونتى Visconti عام 1318 - 1320 167 ، وأيضا على الخارطات القطلونية ( Catalonian ) 168 ، بيد أن كل هذا محض افتراضات نظرية . ويوسف كمال ، وهو من أفضل الخبراء في الكارتوغرافيا العربية والكارتوغرافيا الأوروبية المبكرة في العصور الوسطى ، ينفى نفيا باتا وجود أي تأثير مزعوم لمتن البكري ولخارطات الإدريسى على أوروبا